لبا ن احمر
كان ياما كان .. حكايات زمان لا تخلو من النصائح والأحكام .. فلما يجتمع الصغار قبل المنام تأخذ الجدّة بزمام الكلام .. حول الناس الطيبين واللئام .. لتجعل لكل منا مكان في هذا الزمان .. مكان يليق بالإنسان الذي كرّمه الله على كل الحيوان .. وتؤكد أن كل شيء إلى زوال .. إلا ما يصنع ابن آدم من خير يبقى له على الدوام .. وتبدأ الجدّة الحدّوتة، وبذكر الأسماء المبروكة .. ياسعد يا إكرام، والصلاة والسلام على خير الأنام.
كان ياما كان غولة اسمها خْشِـشْـبون.. تخيف الصغار والكبار وتعيش في الوديان مع بقية الغيلان.
أما عن غولة هذا الزمان فهي ليست ككل الغيلان !! فهي تتحول أحيانا الى إنسان وتعيش وسط الأنام .. وتلبس الأبيض والأسود والفستان .. وتترأس مجلس الأعيان .. وتحيّي بعليكم السِـآم .. مخالبها فسفورية وأنيابها انشطارية.
أما شعورها فتتحول عند الاصطدام الى شواظ من نار.. على شواطئ غزّة والشجاعية وعمر المختار.
لها قرون استشعار .. وقلبها رصاص مصهور في عناقيد من الغضب ..
هي لا ترتوي من الدماء .. تنقضّ في الليل والنهار.. ومن البرّ والبحر وفي كل اتجاه لتقصف أعمار كل من جميلة وأحمد وعمران.
« لا لا لا لم انتهِ .. ليس بعد .. ليس بعد .. لم ارتوِ .. ما زال هناك بقية .. لتجري الدماء انهارا .. لم انتهِ لم ارتوِ ليس بعد .. لنحكم القبضة الفولاذية .. ولنجمعهم جمعا ليومنا الموعود .. »
وأُصدر القرار .. من المجلس المصغّر بالإعدام .. لأن أهل غزّة لئـام .. كل ما نقطع عهدا لهم بالسلام ينقضوه في الحال.
فلنشعل النيران .. ولتعمل آلة الحرب والدمار.. ولنقطف الثمار.. الكتف والخاصرة والقلب السليم ما تطلب الغولة .
هي تشتهي لحم الرضّع الصغار .. قبل ان يصلب عودهم ويتعلموا العصيان. وتقول : « هذا ما أريد .. هل من مزيد من هذا الحمام الفريد .. ؟؟ انها وليمتي الأورجانيك لشعبي المختار .. »
شخصت الأبصار للديّـان .. إنها صقر .. لا تبقي ولا تذر ..
تعلّق الصغار بالكبار ..
صُعِقَت المدرسة والبيت وخُسِفَ القمر.. « - يا أبي أين المفرّ ؟؟ أين انت يا أبي ؟؟ أنا لا أراك .. أين نحن يا أبي ؟ - لاتخف يابني !! انظر هناك يابني ! - ماذا هناك ؟ - إنها العصافير الملوّنة في الأفق .. - أين هي يا أبي ؟ - إنها فوق بحرنا تنتظر ! » نظر الأطفال ولم يطيلوا النظر. شاهدوا قوس قزح يلفّهم جميعا في يوم عيد .. إنه يوم الشهيد ..
وإني على ذلك لشهيد .. رأيت الكثير وبكيت. أنا هنا الشاهد على مذابحكم في كل دار. في غزّة بلد الأحرار وفي جباليا والزيتون وعمر المختار تفجرت القنابل الفسفورية وحصدت الأقمار..
بانت سعاد من بين الأشلاء طفلة تلهو باللبان .. أطلّت برعب على المكان لتبحث عن الأم والأحباب !! لم تتبين سوى الأطراف .. ارتعد فكّها وسقط اللبان.
عدت بالذاكرة للبعيد من خلف أسوار الحديد .. كنا هناك وكانت فلسطين هي الكرمل المعطّر والساحل المخضوضر، وتذكرت الأساطير وحكايات دير ياسين وجدتي وكان وما زال ..
كان فيه هالغولة وهالغول .. راح الغول مع اصحابه ليدبروا شؤون الغيلان .. وسنّت الغولة أسنانها وقرونها وراحت في رحلة لصيد الأطفال .. وحدّدت مناطق الإنس والجان بالدوائر .. وانتظرت الأوامر .. حتى نامت المدينة وتسللت للبيادر.. وسرقت الأطفال وهم في وسط الأحلام نيام، وحملتهم لدارها ووضعت القيود في يديهم وغلقت عينيهم وعلقت المفاتيح الحديد في رقبة أبنائها الغيلان الصغار. وأوصتهم ألا يفتحوا البيبان وألا يثقوا بجنس الإنسان .. وألبستهم خواتمهم الدفاعية السحرية .. وذهبت الغولة عند الغول ليقرروا ماذا سيكون..
استيقظ الأطفال في الصباح وهم يسألون « حلم واللا علم يا اخوان ؟ » أجابت الغيلان : « بل هو علم وأنتم الآن في بيت الغولة الأم. ستأتي أمنا بعد قليل لتأكلكم أجمعين .. » فكّر الأطفال .. وقالوا « نحن في القضبان وأنتم السجّان .. وإلى أن تأتي أمكم الجنية دعونا نلعب سـوية !! » قالت الغيلان : « دعونـا نلعب لعبة الإنس والجان !! » فكّـر الأخ الكبير وقـال: « لدينا اللبان لنتسلى به يا اخوان .. » وبدأ الأطفال يتظـاهرون بمضغ اللبان وهـم يردّدون : « همّ النمّ – لبان أحمر- همّ النمّ – لبان أخضر..» نظرت الغيلان الصغيرة بحسـرة وقـالوا : « نرغب بشيء مما معكم .. »
قال الأطفال : « حرّرونا من القضبان تحصلوا على اللبان.. » فأقدم الغيلان على تحرير الأطفال وقيّدوا أنفسهم مكانهم في انتظار اللبان. وبالعقل انتصر الإنس على الجان .. وهرب الأطفال لأهلهم في الحال .
في الليل الحالك جاءت الغولة الأم وبقيّـة الغيلان للاحتفال بالوليمة. وعند الوصول للدار لم يستطع الغيلان الكبار الانتظار. وفي الظلام تم تقطيع الأجساد ووُضِعَت الرؤوس والصدور في القدور حتى اكتمل العدد. فقالوا : « هل من مزيد ؟؟ .. » أحضرت الغولة الأم الأذرع والأطراف وسكبت الكثير من الدماء ..
بدأت التسالي لأجمل الليالي .. وفي قمة الابتهاج والاهتياج وفي غمرة النشوة، اصطكّ شيء مـا بين الأسنـان !! تحسّـسـته الغولة !! .. وصرخت صرخـة اهتـزّت لـها الأركـان .. « انها الخواتم السحرية الدفاعية .. أيها الغيلان !! ماذا فعلنا ؟؟ .. إنهم أبناؤنا الذين أكلنا .. »
قالت جدّتي : « وهكذا انقلب السحر على الساحر !! ومن حفر بئراً لأخيه وقع فيه.. وتوتة توتة .. »
فردّدنا : « لم تخلص الحدوتة.. »
آمال أبو عمارة
ام من غزه
مديرة مركزدار الحكمه الثقافى
1- 1- 2009
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق